الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
192
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و ثُوِّبَ أعطي الثواب ، يقال : ثوّبه كما يقال : أثابه ، إذا أعطاه ثوابا . والثواب : هو ما يجازى به من الخير على فعل محمود وهو حقيقته كما في « الصحاح » ، وهو ظاهر « الأساس » ولذلك فاستعماله في جزاء الشر هنا استعارة تهكمية . وهذا هو التحقيق وهو الذي صرح به الراغب في آخر كلامه إذ قال : إنه يستعمل في جزاء الخير والشر . أراد أنه يستعار لجزاء الشر بكثرة فلا بد من علاقة وقرينة وهي هنا قوله : الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ كقول عمرو بن كلثوم : نزلتم منزل الأضياف منا * فعجّلنا القرى أن تشتمونا قريناكم فعجّلنا قراكم * قبيل الصّبح مرداة طحونا ومن قبيل قوله تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الانشقاق : 24 ] . و ما كانُوا يَفْعَلُونَ موصول وهو مفعول ثان لفعل ثُوِّبَ إذ هو من باب أعطى . وليس الجزاء هو ما كانوا يفعلونه بل عبر عنه بهذه الصلة لمعادلته شدّة جرمهم على طريقة التشبيه البليغ ، أو على حذف مضاف تقديره : مثل ، ويجوز أن يكون على نزع الخافض وهو باء السببية ، أي بما كانوا يفعلون . وفي هذه الجملة محسن براعة المقطع لأنها جامع لما اشتملت عليه السورة .